ابن أبي الحديد
75
شرح نهج البلاغة
" لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف ، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة " ، وهذا هو دليل المعتزلة بعينه ، قالوا : لو كان عالما بمعنى قديم ، لكان ذلك المعنى إما هو أو غيره أوليس هو ولا غيره . والأول باطل ، لأنا نعقل ذاته قبل أن نعقل أو نتصور له علما ، والمتصور مغاير لما ليس بمتصور . والثالث باطل أيضا ، لان إثبات شيئين : أحدهما ليس هو الآخر ولا غيره ، معلوم فساده ببديهة العقل ، فتعين القسم الثاني وهو محال ، إما أولا فبإجماع أهل الملة ، وإما ثانيا فلما سبق من أن وجوب الوجود لا يجوز إن يكون لشيئين ، فإذا عرفت هذا ، فاعرف أن الاخلاص له تعالى قد يكون ناقصا وقد لا يكون ، فالإخلاص الناقص هو العلم بوجوب وجوده ، وأنه واحد ليس بجسم ولا عرض ، ولا ( 1 ) يصح عليه ما يصح على الأجسام والاعراض . والاخلاص التام هو العلم بأنه لا تقوم به المعاني القديمة ، مضافا إلى تلك العلوم السابقة ، وحينئذ تتم المعرفة وتكمل . ثم أكد أمير المؤمنين عليه السلام هذه الإشارات الإلهية بقوله : " فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه " ، وهذا حق ، لان الموصوف يقارن الصفة ، والصفة تقارنه . قال : " ومن قرنه فقد ثناه " ، وهذا حق ، لأنه قد أثبت قديمين ، وذلك محض التثنية . قال : " ومن ثناه فقد جزأه " ، وهذا حق ، لأنه إذا أطلق لفظة الله تعالى على الذات والعلم القديم فقد جعل مسمى هذا اللفظ وفائدته متجزئة ، كإطلاق لفظ " الأسود " على الذات التي حلها سواد . قال : " ومن جزأه فقد جهله " ، وهذا حق ، لان الجهل هو اعتقاد الشئ على خلاف ما هو به . قال : " ومن أشار إليه فقد حده " ، وهذا حق ، لان كل مشار إليه فهو محدود ،
--> ( 1 ) ب : " فلا يصح " .